وهبة الزحيلي

11

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

روح اللّه ، بالغ القنوط من رحمة اللّه ، حتى يظن أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير ، أو يظن عدم زوال ما به من المكروه . والآية تصوّر طبع الإنسان ، وإن ظهر ذلك كثيرا في الكافر ، كما قال تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف 12 / 87 ] وقد جعل بعض المفسرين الآية خاصة بالكافر ، وقال : هذه صفة الكافر ، بدليل الآية المتقدمة : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ . . . . والظاهر إرادة الجنس ، فكثير من المسلمين يصدر منهم هذا التغير والتبدل ، كما تقدم بيانه . ونظير الآية قوله تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ : ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ هود 11 / 9 - 11 ] . ثم ذكر اللّه تعالى خصالا ثلاثا أقبح مما سبق ، فقال : 1 - وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ : هذا لِي أي ولئن آتيناه خيرا بتفريج كربه من بعد شدة أصابته ، كغنى بعد فقر ، وصحة أو عافية بعد مرض ، وجاه بعد ذل ، ليقولن : هذا شيء أستحقه على اللّه لرضاه بعملي وجهدي وخبرتي ، متناسبا فضل اللّه وإحسانه ، جاهلا أن اللّه يبتلي عباده بالخير والشر ، ليتبين له الشاكر من الجاحد ، والصابر من الجزع . وهذا دليل على أن ذلك اليائس القانط لو عاودته النعمة ، لعاد إلى الجحود والكفر . 2 - وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي وما أعتقد أن القيامة ستقوم ، كما يخبرنا به الأنبياء ، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على ذنب في الدنيا . ولأجل أنه رزق نعمة يبطر ويفخر ويكفر ، كما قال تعالى : كَلَّا ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق 96 / 6 - 7 ] .